عبد الملك الجويني

226

الشامل في أصول الدين

الزائغين . وإن أسندتم مذهبكم إلى دليل فأيدوه بتكلم عليه ، ولا يجدون إلى إبدائه سبيلا ، إذ مدارك العلوم مظبوطة ، وجملتها لا يتلقى منها ما قالوه . فإن من مدارك العلوم العقل ، ولا يتلقى منه إثبات أصل الأسماء فضلا عن تفصيلها . ومن مدارك العلوم موارد الشرع ، وليس في شيء منها ما سوغ تسميته تعالى جسما ، إذ لم يدل على ذلك كتاب ولا سنة ولا إجماع . ومن مدارك العلوم في الأسامي قضية اللغة ، ولو حكمناها في مسألتنا لما قامت على ما يرومه الخصم ، إذ ليس في لغة العرب تسمية الوجود جسما ، بل في لغتهم ما يناقض ذلك . فإنهم يصفون الأعراض بالوجود ، ولو سميت أجساما أبوه . فإن من سمى علم المرء أو إرادته أو قدرته أجساما ، كان ذلك عرفا مستبشعا في قضية اللغة . فإذا بطل تلقى مرامهم من هذه الجهات لم يبق إلّا التحكم المحض . فإن قال قائل : بم تنكرون على من يزعم أنا أثبتنا ما قلناه قياسا من حيث ورد في الشرع إطلاق النفس في ذكر اللّه تعالى ، واشتمل على ذلك نص الكتاب . فإن اللّه تعالى قال مخبرا عن عيسى « تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ » والنفس تداني الجسم في معناها ، فقسناه عليه . الجواب عن ذلك من أوجه : أحدها : أن نقول : لا يسوغ إثبات اللغات قياسا ، وقد أوضحنا ذلك في أصول الفقه . ثم لو قلنا بتجويز القياس في اللغات ، لما كان ما قالوه صحيحا . وذلك أن القياس إنما يسوغ عند مجوزيه ، إذا كان تشبث القياس باشتقاق الاسم المتلقي منه ، ثم طرده فيما يروم فيه القياس . وهذا نحو قياس الفقهاء النبيذ على الخمر تمسكا بمعنى المخامرة أو التخمير . فهذا وجه القياس في اللغة . ولم يوضح خصمنا اشتقاقا في النفس متحققا في الجسم فيسوغ له القياس . ثم نقول : من جوز القياس في اللغات منعه في أوصاف الإله ، ومن ذلك امتنعوا من تسميته سخيا ، وإن ثبت جواز تسميته بالجواد إلى غير ذلك . ثم نقول : لئن جاز لكم ما قلتموه فسموه جسدا وسخيا وشخصا ، قياسا على النفس ، أو افصلوا بين ما ألزمتم وبين لفظ الجسم في مجاري القياس ، فلا يجدون إلى ذلك سبيلا . وأقرب الأشياء إلى الإطلاق على قواعد أصلهم كونه جوهرا من حيث قام بنفسه ، فيقال : فهلا وافقتم النصارى وتحكمهم في تسميته جوهرا ؟ فإن راموا عن ذلك مخلصا لم يجدوه . ثم نقول : قد أوضحنا منع قياس الجسم على النفس بالطرق التي سلكها القائمون . ثم نقول : النفس في وضع اللغة بخلاف الجسم . والدليل عليه أن النفس يجوز أن يؤكد بها كل موجود ، ويجوز أن يعبر بها عن كل موجود فيقال : هذا الجوهر نفسه ، وهذا